الصالحي الشامي
461
سبل الهدى والرشاد
الباب السادس في حكم عقد قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من وقت نبوته كغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - " مكث بمكة خمس عشرة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا ، وثمان سنين يوحى إليه ، وهذا على أنه عاش خمسا وستين سنة ، والصحيح أنه عاش ثلاثا وستين سنة . وروى البيهقي عن عمرو بن شراحبيل أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لخديجة : " إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء [ وقد خشيت - والله - أن يكون هذا الامر ] " . تنبيهات الأول : قال القاضي : هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه ، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ( ولكن ليطمئن قلبي ) [ البقرة 26 ] وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - " نحن أحق بالشك من إبراهيم " - صلى الله عليه وسلم - ليس اعترافا منه بالشك لهما - صلى الله عليه وسلم - بل هو نفي له لان يكون إبراهيم شك وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا بإبراهيم ، أي : نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه . الثاني : فإن قلت فما معنى قوله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) [ يونس 94 ] الآية قال القاضي : واختلفوا في معنى الآية ، فقيل : المراد قل : يا محمد للشاك . قالوا : وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل ، وهو قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس ) أي أهل مكة ( إن كنتم في شك من ديني ) [ يونس 104 ] الآية . وقيل : الخطاب للعرب وغير ذلك ، والمراد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) [ الزمر 65 ] الخطاب له والمراد غيره . ومثله ( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ) [ هود 109 ] أي : لا يشك في أن عبادتهم عند الله ضلال ، ونظيره كثير قال بكر بن العلاء : ( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ) [ يونس 95 ] وهو - صلى الله عليه وسلم - كان المكذب - بفتح الذال - فيما يدعو إليه ، فكيف يكون هو المكذب - بكسرها - أي : فكيف يكذب نفسه المذكور . وقيل : مثل هذه الآية قول تعالى ( الرحمن فاسأل به خبيرا ) [ الفرقان 59 ] الخبير المسؤول ، لا المستخبر السائل . الثالث : فإن قيل : فما معنى ما رواه مسلم عن الأغر المزني أنه - عليه الصلاة والسلام -